السيد صادق الموسوي
192
تمام نهج البلاغة
فَلَيْسَ لَهَا مَحيصٌ عَنْ إدِرْاَكهِِ إِيّاهَا ، وَلَا خُرُوجٌ عَنْ إحِاَطتَهِِ بِهَا ، وَلَا احْتِجَابٌ عَنْ إحِصْاَئهِِ لَهَا ، وَلَا امْتِنَاعٌ مِنْ قدُرْتَهِِ عَلَيْهَا . كَفى بِإِتْقَانِ الصُّنْعِ لَهَا آيَةً ، وَبِمُرَكَّبِ الطَّبْعِ عَلَيْهَا دَلَالَةً ، وَبِحُدُوثِ الْفَطْرِ عَلَيْهَا قِدْمَةً ، وَبِإِحْكَامِ الصَّنْعَةِ لَهَا عِبْرَةً . فَلَيْسَ إلِيَهِْ حَدٌّ مَنْسُوبٌ ، وَلَا لَهُ مَثَلٌ مَضْرُوبٌ ، وَلَا شَيْءَ عنَهُْ مَحْجُوبٌ . تَعَالَى اللّهُ عَنِ الأَمْثَالِ الْمَضْرُوبَةِ ، وَالصِّفَاتِ الْمَخْلُوقَةِ عُلُوّاً كَبيراً . أَلَا وَإِنَّ في هِدَايَةِ مَا اضْطَرَّتْ إلِيَهِْ الْعُقُولُ وَالأَوْهَامُ مِنْ تَحْقيقِ وجُوُدهِِ ، وَإِخْلَاصِ توَحْيدهِِ ، وَنَفْي شبَهَهِِ ، دَلَالَةً عَلى مَنَارِ عدَلْهِِ ، وَتَأْييدِ فطَرْهِِ ، وَعُمُومِ رأَفْتَهِِ ، لاكتْفِاَئهِِ بنِفَسْهِِ ، وَاستْغِنْاَئهِِ عَنْ غيَرْهِِ ، وَعَدَمِ الْمُنَازِعِ لَهُ في ديَمْوُميِتَّهِِ وَقدِمَهِِ . فَسُبْحَانَ الْمُتَطَوِّلِ بنِعَمْاَئهِِ ، الْمُتَفَضِّلِ بآِلاَئهِِ عَلى برَيِتَّهِِ . وَتَبَارَكَ الْعَادِلُ في حكُمْهِِ ، الْحَكيمُ في قضَاَئهِِ ، اللَّطيفُ بعِبِاَدهِِ فيمَا أَمَرَهُمْ مِنْ طاَعتَهِِ ، وَهَدَاهُمْ بِهِ مِنْ دينهِِ ، وَدَلَّهُمْ عَلَيْهِ مِنْ معَرْفِتَهِِ ، وَدَعَاهُمْ إلِيَهِْ مِنَ الِاقْرَارِ بِهِ وَالِاذْعَانِ لرِبُوُبيِتَّهِِ ، عَلى غَيْرِ إكِرْاَهٍ عَلى طاَعتَهِِ ، وَلَا قَسْرٍ مِنْهُ عَلى معَصْيِتَهِِ بَعْدَ إعِذْاَرهِِ وَإنِذْاَرهِِ ، لِلْخُرُوجِ مِنْ تَنَاقُضِ الأُمُورِ ، وَالْبَدَاءَاتِ الَّتي لَا تَليقُ بِهِ في كبِرْيِاَئهِِ وَامْتِنَاعِ سلُطْاَنهِِ . لأَنَّ الْبَدَاءَاتِ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقينَ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ اخْتِيَارُ خلَقْهِِ عَمّا عنَهُْ نَهى مِنْ عصِيْاَنهِِ ، وَهَدْمِ اموُرهِِ بَعْدَ ابتْدِاَئهِِ بطَوَلْهِِ ، وَالدَّعْوَةِ إِلى معَرْفِتَهِِ وَطاَعتَهِِ . أَمْ كَيْفَ يُمْكِنُ في عدَلْهِِ وَجوُدهِِ إِيجَابُ عَذَابِ الْمَقْسُورينَ مِنْ عبِاَدهِِ عَلى جحَدْهِِ وَالْكُفْرِ بِهِ بَعْدَ الَّذي تَقَدَّمَ لَهُ إِلَيْهِمْ مِنْ أمَرْهِِ وَنهَيْهِِ ، وَتَطَوَّلَ عَلَيْهِمْ فيهِ مِنْ إشِفْاَقهِِ وَحيِاَطتَهِِ ، مَعَ سُبُوغِ النِّعْمَةِ ، وَصِحَّةِ الآلَةِ ، وَسَلَامَةِ الْجَارِحَةِ ، وَمُهْلَةِ الأَجَلِ ، وَمَضْمُونِ الْهِدَايَةِ ، وَتَرَكُّبِ الِاسْتِطَاعَةِ ، وَقُوَّةِ الأَدَوَاتِ بِالْحُجَجِ الْمُبَيِّنَةِ ، وَالْكُتُبِ الْمُنيرَةِ ، وَالرُّسُلِ الدّاعِيَةِ ، وَالآيَاتِ الزّاجِرَةِ . مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ - جَلَّ ثنَاَؤهُُ - : وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا ( 1 ) ، مَعَ قَوْلِهِ : وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ ( 2 ) ، وَقَوْلِهِ : وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى ( 3 ) ،
--> ( 1 ) الإسراء ، 15 . ( 2 ) الزخرف ، 76 . ( 3 ) فصّلت ، 17 .